عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
569
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
عليهم ويستجيزونهم ، وهذا لأنّ مقصودهم من الإسناد حفظ السلسلة والعلو ، وليس المقصود من الرواية عن هؤلاء تلقي العِلْم عنهم وضبطه كما كان السَّلف ، فإن هذه الكتب والأجزاء التي تسند عن هؤلاء الشيوخ معروفة محفوظة ، بل منقولة بالتواتر لا يُحتاج في نقلها إِلَى ذلك الشيخ ، وصار هذا كالذي يحفظ القرآن ، ويقرأه عَلَى شيخ عالي الإسناد ، فإنه يستفيد بذلك علو الإسناد فقط ، وإلا فنقل القرآن والقراءات كلاهما متواتر ، لا يحتاج فيه إِلَى هذا الشيخ ، فكذلك الحديث إِنَّمَا يعمد فيه عَلَى ما يعرفه الحفاظ ، وما { يحققونه } ( * ) من الكتب المعتمد عليها ، والخطوط الموثوق بها . وتكون الرواية عن هؤلاء الشيوخ لأجل علو الإسناد ، واتصال سلسلته ؛ فإن الإسناد من خصائص هذه الأمة ، مع أن في السماع فوائد جمة من نشر السنة النبوية وإظفارها ، وبعث الهمم عَلَى الاشتغال بها دراية ورواية ، وغير ذلك من المصالح . فصل : وكان المقصود من ذكر هذه المقدمة ، أنه وقع السؤال عن جماعة من شيوخ الرواية الذين أدركناهم بالسماع والإجازة بالشام ومصر ، وعن شيء من ( رواياتهم ) ( * * ) العالية ، وكان السائل قدره أعلى من أن يسلك به المسلك المعتاد من الاقتصار عَلَى ذكر الإسناد ، فإن ذلك يقع كثيرًا لمن يقنع بظواهر الرسوم دون حقائق الإيمان والعلوم ، فذكرنا قبل ذلك هذه المقدمة لتكون الأشياء مبنية عَلَى أصولها ، ويبين بذلك مقصود الرواية ، وأنها وسيلة إِلَى الدراية والرعاية . وقد قال الحسن البصري رضي الله عنه : همة السفهاء الرواية ، وهمة الحكماء الرعاية . والرعاية هي : القيام بحقوق الرواية من العمل والتعليم ، فهي ثمرة الدراية .
--> ( * ) غير واضحة بالأصل وتشبه أن تكون ما أثبتناها ، وفي نسخة : " وما يحتفون به " . ( * * ) رواتهم : " نسخة " .